مع اقتراب انطلاق الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، لم تعد الأسئلة المطروحة حول برامجه، وهويته البصرية، ومستقبله، ترفًا نقديًا، بل أصبحت ضرورة يفرضها حجم التحولات التي يشهدها هذا الحدث الوطني. فبعد أربعة عقود رسّخ خلالها جرش مكانته بوصفه مشروعًا ثقافيًا وطنيًا قبل أن يكون مهرجانًا فنيًا، يحق للأردنيين أن يتساءلوا: هل ما نشهده اليوم يمثل تطويرًا للمهرجان، أم تحولًا تدريجيًا في فلسفته ورسالته؟
ويتعاظم هذا التساؤل مع الحضور المتزايد للقطاع الخاص في إدارة ودعم المهرجان. فالتعاون مع القطاع الخاص ليس محل اعتراض عندما يظل داعمًا للمشروع الوطني، إلا أن القلق يبدأ عندما يمتد تأثيره إلى هوية المهرجان وأولوياته. فالقطاع الخاص تحكمه اعتبارات الاستثمار والعائد المالي، بينما تأسس مهرجان جرش ليكون مشروعًا ثقافيًا للدولة، يهدف إلى دعم الفنان الأردني، وإتاحة الثقافة لجميع فئات المجتمع، وخلق مساحة يلتقي فيها الإبداع الأردني مع الإبداع العربي والعالمي. وتكمن المخاوف في أن يصبح معيار النجاح هو عدد التذاكر المباعة، لا القيمة الثقافية، فيتحول المهرجان تدريجيًا إلى سلسلة حفلات تجارية، ويفقد المواطن حقه في مهرجان أُسس ليكون ملكًا للجميع، لا لمن يستطيع دفع ثمن التذكرة.
وتبرز أولى علامات الاستفهام في البرنامج الفني للدورة الحالية. فمنذ انطلاق المهرجان، شكّل المسرحان الجنوبي والشمالي نافذة رئيسية للفنان الأردني؛ إذ جرت العادة أن يجمع المسرح الجنوبي بين الفنان الأردني والنجم العربي، فيما احتضن المسرح الشمالي التجارب الأردنية إلى جانب عدد محدود من الفرق العربية والعالمية. إلا أن الدورة الحالية شهدت تراجعًا شبه كامل لحضور الفنان الأردني على المسرح الجنوبي، فيما اقتصر وجوده على ليلتين فقط على المسرح الشمالي، رغم أن العديد من الفنانين يمتلكون ما يؤهلهم لتقديم أمسيات مستقلة. والسؤال هنا لا يتعلق بالأسماء، وإنما بالنهج الذي يحكم البرمجة، ومدى انسجامه مع الرسالة التي تؤكد أن جرش يمثل رافعة حقيقية للفنان الأردني.
كما تثير بعض اختيارات الفرق المشاركة تساؤلات مشروعة بشأن معايير الاختيار، خاصة إذا كانت هناك فرق سبق أن تعاونت مع فنانين أو مخرجين إسرائيليين، وهي على علم بهذه الخلفيات. فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف جرى التعامل مع هذه المعايير في مهرجان وطني ينتمي إلى دولة يرفض شعبها التطبيع الثقافي، ويضع القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياته الوطنية.
ولا تقل قضية تغيير شعار المهرجان أهمية عن البرمجة الفنية، فالشعار ليس مجرد عنصر تصميمي، بل يمثل جزءًا من الهوية البصرية والذاكرة المتراكمة لمؤسسة ثقافية صنعت مكانتها على امتداد أربعين عامًا. وإذا كان تطوير الشعار هدفًا مشروعًا، فإنه يحتاج إلى مبررات فنية وثقافية مقنعة، تتجاوز القول إن التصميم الجديد يجعل اسم “جرش” أكثر وضوحًا، خاصة أن الشعار السابق كان يتمتع بحضور بصري مميز، إلى جانب موسيقاه التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المهرجان.
ويثير إعلان وجود دراسة لإقامة مهرجان جرش أكثر من مرة خلال العام نقاشًا لا يقل أهمية؛ فالمهرجانات الثقافية الكبرى في العالم تستمد جزءًا من قيمتها ورمزيتها من ثبات موعدها السنوي، الذي يحولها إلى حدث ينتظره الجمهور والفنانون عامًا بعد عام، لا إلى نشاط متكرر يفقد مع الزمن خصوصيته وهيبته.
وتزداد حساسية هذا الطرح لأن مهرجان جرش يُقام داخل مدينة أثرية تُعد من أهم المواقع التراثية في الأردن، وتخضع لاعتبارات دقيقة تتعلق بحماية الآثار وصون قيمتها التاريخية، وفق التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية. ومن هنا، فإن تحويل مسارح المدينة إلى فضاءات تستضيف فعاليات متكررة أو تخضع بصورة أكبر لمنطق الاستثمار، يثير مخاوف مشروعة من زيادة الضغط على الموقع الأثري، ومن تراجع الأولوية التي ينبغي أن تُمنح لحماية هذا الإرث الوطني والإنساني.
ولا يتعلق النقاش برفض تطوير المهرجان أو توسيع نشاطه، وإنما بالسؤال الجوهري: من سيدير هذا التوسع؟ وهل سيظل امتدادًا للمشروع الثقافي الوطني الذي تقوده الدولة، أم سيفتح الباب أمام دور أوسع للقطاع الخاص في إدارة المسارح والبرامج، بما قد يغيّر تدريجيًا هوية المهرجان ورسالة وجوده؟
فمهرجان جرش ليس مجرد حفلات غنائية، ولا مشروعًا مطروحًا للخصخصة، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية الأردنية، ويقام في مدينة أثرية تحمل إرث حضارات متعاقبة. ومن هنا، فإن حماية هوية المهرجان لا تنفصل عن حماية المكان الذي يحتضنه.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تغيير برنامج دورة، أو استبدال شعار، بل في تغيير الفكرة التي قام عليها مهرجان جرش. فإذا انتقل من مشروع ثقافي وطني إلى مشروع تحكمه اعتبارات السوق ومنطق الربح والخسارة، فإن الفنان الأردني سيكون أول الخاسرين، وسيكون الجمهور آخر من يُستشار. فالمطلوب ليس مقاومة التطوير، وإنما ضمان أن يبقى التطوير وفياً لروح المهرجان، وأن يحافظ جرش على مكانته بوصفه أحد أبرز المنجزات الثقافية الأردنية على مدى أربعة عقود.


