لا تقتصر التغذية الصحية للأشخاص ذوي الإعاقة على اختيار طعام متوازن، إذ قد تفرض طبيعة الحالة أو محدودية الحركة أو صعوبات المضغ والبلع متطلبات غذائية إضافية، ما يجعل الحاجة قائمة إلى برامج غذائية تراعي اختلاف القدرات والظروف الصحية لكل شخص.
وفي ظل هذا التنوع، قد يحتاج شخص إلى نظام غذائي يتناسب مع محدودية حركته، فيما يحتاج آخر إلى تعديلات تراعي صعوبة المضغ أو البلع، في حين تتطلب بعض الحالات الصحية خططاً غذائية متخصصة، ما يجعل اعتماد حمية موحدة أمراً غير مناسب للجميع.
ومن هذا المنطلق، أطلق اختصاصي التغذية العلاجية صهيب الزعبي مبادرة «خطوة»، التي تقدم برامج غذائية وتثقيفية مصممة بما يتناسب مع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة وظروفهم الفردية.
وقال الزعبي لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن المبادرة انطلقت من قناعة بأن الصحة حق للجميع، وأن الاختلاف في القدرات الحركية أو الذهنية لا ينبغي أن يحول دون حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على الرعاية الصحية والتثقيف والدعم الغذائي المناسب.
وأوضح أن «خطوة» تقوم على تكييف الخطة الغذائية وفق قدرات الشخص ونمط حياته وحالته الصحية وعاداته الغذائية، بدلاً من اعتماد برامج موحدة، مبيناً أن المبادرة تتناول موضوعات التغذية الصحية وإدارة الوزن والسكري ومقاومة الإنسولين والكوليسترول وصحة القلب، إلى جانب قراءة الملصقات الغذائية واختيار الأطعمة المناسبة وممارسة النشاط البدني بما يتلاءم مع القدرة الفردية.
وأشار إلى أن السمنة تعد من أبرز المشكلات الغذائية التي لاحظها لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، وما قد يرتبط بها من السكري أو مقاومة الإنسولين، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص قد يكونون أكثر عرضة لمشكلات صحية مرتبطة بنمط الحياة وقلة الحركة، ما يستدعي الاهتمام بالتغذية والنشاط البدني وفق خصوصية كل حالة.
وبيّن وجود حالات من مقاومة الإنسولين وتكيس المبايض لدى بعض النساء ذوات الإعاقة، لا سيما في حال ترافق ذلك مع السمنة، مشيراً إلى أن تحديد حجم انتشار هذه الحالات يتطلب إجراء دراسات علمية متخصصة.
ولفت الزعبي إلى أن بعض الحالات الصحية تستدعي إعداد خطط غذائية خاصة، مستشهداً بحالة سيدة مصابة بالتصلب اللويحي، اضطرتها تطورات الحالة إلى استخدام الكرسي المتحرك، ما استلزم وضع خطة غذائية تراعي وضعها الصحي ومستوى نشاطها البدني.
كما أشار إلى تعامل المبادرة مع حالات مصابة بالصرع، قد تتطلب، وفق التقييم الطبي والتغذوي، اتباع أنظمة غذائية خاصة، من بينها أنظمة شديدة الانخفاض بالكربوهيدرات، مؤكداً أن تحديد النظام المناسب يعتمد على طبيعة الحالة وتقييم المختصين.
وأوضح أن من الجوانب التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي عند الحديث عن تغذية الأشخاص ذوي الإعاقة التركيز على توفير الطعام دون إعطاء الاهتمام اللازم لجودته وقيمته الغذائية، الأمر الذي قد يسهم في زيادة الوزن وظهور مشكلات صحية أخرى.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة قد يتناولون وجبة أو وجبتين فقط يومياً، خصوصاً في البيئات التي تقل فيها المعرفة بالتغذية السليمة، مبيناً أن تنظيم الوجبات وتوزيعها خلال اليوم يمثلان جانباً مهماً في تحسين النمط الغذائي، مع ضرورة توفير غذاء متوازن يحتوي على الكميات المناسبة من البروتين والكربوهيدرات والألياف، إلى جانب الاهتمام بجودة الأطعمة.
وأكد أهمية إشراك الأسرة ومقدمي الرعاية في تنظيم النظام الغذائي، خصوصاً عندما يعتمد الشخص على الآخرين في شراء الطعام أو تحضيره، على أن يكون دورهم قائماً على الدعم والمساندة، بما يحافظ على استقلالية الشخص قدر الإمكان.
وأوضح أن المبادرة تندرج ضمن مفهوم الرعاية الصحية المتكاملة، مع التأكيد على أهمية التنسيق مع الأطباء والمختصين عندما تستدعي الحالة متابعة أو تدخلاً متخصصاً.
ومن واقع تجربتها، قالت مجد الهنداوي، وهي من الأشخاص ذوي متلازمة داون، إن التغذية ما تزال بحاجة إلى حضور أكبر ضمن منظومة الرعاية الصحية للأشخاص ذوي الإعاقة، موضحة أن الاهتمام غالباً ما يتركز على التعليم والتأهيل والعلاج، في حين لا تحظى التغذية بالقدر ذاته من الاهتمام، رغم ارتباطها المباشر بالصحة وجودة الحياة.
وأكدت أن الاهتمام بالتغذية لا ينبغي أن يقتصر على الحد من زيادة الوزن، بل يجب أن يشمل نوعية الطعام وكمياته والعناصر الغذائية التي يحتاجها الشخص، مع مراعاة نمط حياته وقدرته على الحركة.
وأشارت إلى أهمية دور الأسرة والمدرسة ومراكز التأهيل والمؤسسات الصحية في تعزيز الوعي الغذائي، مؤكدة أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وتحسين جودة حياتهم يرتبطان بصورة مباشرة بصحتهم، وأن التغذية تمثل جزءاً أساسياً من هذه المنظومة.
من جهتها، قالت الناشطة الحقوقية والعضو المؤسس في جمعية «كن إيجابياً» نايفة الكردي، إن التغذية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة لا تزال بحاجة إلى اهتمام أكبر، موضحة أن التركيز غالباً ما ينصب على العلاج والتأهيل والأجهزة المساندة، بينما لا تأخذ التغذية دائماً المكانة التي تستحقها ضمن منظومة الصحة العامة.
وأضافت أن الاحتياجات الغذائية قد تختلف باختلاف نوع الإعاقة ومستوى النشاط والحالة البدنية، فضلاً عن الأدوية المستخدمة في بعض الحالات، مشددة على أن التغذية لا ينبغي أن تقوم على نهج موحد للجميع، وإنما يجب أن تراعي احتياجات كل شخص وظروفه الفردية، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة.
وأكدت الكردي أن التغذية المناسبة والنشاط البدني الملائم يسهمان في تحسين جودة الحياة والرفاه وتعزيز الاستقلالية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، داعية إلى التعامل مع الشخص بصورة شاملة تراعي احتياجاته وخياراته والبيئة المحيطة به، بما يعزز قدرته على المشاركة الفاعلة والعيش باستقلالية وكرامة.


